الارهاب و حماة
كتبهاahmad faris ، في 8 آذار 2007 الساعة: 11:16 ص
مجزرة حماة… رب يوم بكيت منه…
بقلم: محمد صالح الشمّري
مذهلة ومؤلمة وجارحة للضمير والنخوة.. المجزرة التي ارتكبها الطائفيون في مدينة أبي الفداء.. وقد أبكت الإنسانية دماً بدل الدموع على الأطفال والشيوخ والنساء والدماء البريئة التي لطخت جدران حماة وشوارعها وأشجارها ونواعيرها.
وقد روّع -في حينها- كل صاحب خلق أو ضمير ذبحُ ما يزيد على أربعين ألفاً من المواطنين الذين لا ذنب لهم ولا حيلة. وهدمت مساكنهم وسرقت أموالهم وقتل الأبناء أمام أعين الآباء؛ والآباء أمام أعين أطفالهم؛ والنساء على مرأى من رجالهم؛ والرجال أمام أعين الجميع.. وبكى المشردون من أهل المدينة وأبكوا كل من لاقوه وسمع بمأساتهم ورأى آثارها على وجوههم ونفوسهم وأجسامهم… وعجزت - آنذاك - الأقلام عن وصف ما لاقته المدينة الجميلة العريقة الأبية صاحبة الكعب المعلا في الوطنية والرجولة والإباء..
فنبه - في وقتها- أصحابُ الأذهان الثاقبة والقلوب المبصرة إلى أن هذه المجزرة - على بشاعتها وفظاعتها- هي (مقدمة).. نعم مجرد مقدمة وإرهاص لما سيأتي من بعد.. وهو أشد وأنكى وأوجع وأعمق إذا لم تأخذوا على يد الباغي وتقطعوا اليد التي استلت خنجر الطائفية في حماة الدين ومكارم الأخلاق…
إن هذه اليد إن لم تجد من يردعها ويبتر سمومها وأحقادها ووقاحتها فإنها ستتجاسر وتتجرأ على ما هو أفظع… قالها المخلصون وقالها الذين خبروا رجس الطائفية وحقدها الأعمى والذين اكتووا بنيرانها المتوحشة الفتاكة وطافوا في البلدان والعواصم يحذرون وينبهون إلى الخطر الداهم ووقفوا (بمنعطف اللوى) ينادون بقومهم الحذر الحذر.. إلا أن صيحاتهم بددتها الأهواء.. أو الجهل.. أو قلة الإحساس.. أو قصر النظر.. أو النيات الحسنة التي تقتل، في كثير من الأحيان.. أصحابها..
ولما أن يئست المدينة الجريحة من نخوة المعتصم.. انفلتت بذور الشر والجريمة وانتثرت في أرجاء الأوطان وانغرست في تربته لتنبت أشجاراً طلعها كأنه رؤوس الشياطين ليس في حماة وأخواتها السوريات وحسب.. بل في الفلوجة وبغداد والبصرة وجبال اليمن الشماء وكابول و.. و.. إلخ.
فأصبحت الأربعين ألف ضحية من أهالي حماة سبعمائة ألفاً في بلاد الرافدين؛ وأضحى التعذيب والتمثيل بالجثث يتم بوحشية تذهل الأبالسة والشياطين.. وصار الذبح يومياً وليس في شهر شباط وحده كما حدث في مدينة أبي الفداء بل في كل أيام السنة والسنوات.. وهو مستمر متصل يأخذ بعضه برقاب بعض بصورة وحشية لا تكاد تصدقها العين وهي تراها ماثلة أمامها، وصارت فرق الموت تجوب المدن والأحياء توزع بضاعتها على الأبرياء الذين لا يدرون بأي ذنب يقتلون وتبقر بطونهم وتثقب رؤوسهم وأبدانهم بالمثقاب الكهربائي ويصب عليهم البنزين ويحرقون وهم أحياء مقيدون بالسلاسل.. وبصمت أهلهم وجيرانهم وأبناء قومهم وأبناء دينهم على ما يلاقونه من صنوف العذاب أضحت كلمة: ( تقشعر لهولها الأبدان) قزمة ضئيلة متواضعة في وصف ما يصب على أهل التوحيد من عذاب وهوان وتنكيل..
رب يـوم بكيت منه ولما صرت في غيره بكيت عليه
هو لسان حال الأباة من أهل حماة الجريحة وهم يشاهدون غير مصدقين ما تراه عيونهم من تنكيل بالأحرار من أهل التوحيد وحراس السنة المطهرة والجماعة التي تعهد إمام المرسلين بأنهم لا يجمعون على ضلال..
أُكِلتُ يوم أكل الثور الأبيض.. هل لامست القلوب التي تنبض بحب المصطفى وتوقر أصحابه الميامين وتدعو الله من أعماق أعماقها أن تُحشر معهم.. هل أحسوا بوهج النيران المفترسة التي تلتهم الرافدين وتستهدف في شطآنها النخوة والمروءة والعقيدة والدين..
سورية الجريحة
لبنان الأسيرة
الرافدين الذبيحة
أفغانستان الأبية
الصومال المستباحة
….
كم من الأوطان يجب أن تُفترس حتى نحس بفداحة المصاب وعمق المأساة وأخطار الشعوبية وأحقادها السوداء وثاراتها الكريهة.. وحتى نتصدى لهذا الطوفان البهيمي الجارف.. بكل الأثمان التي ينبغي أن ندفعها حزماً وتضحية ورجولة.. لكي نوقف هذا الطوفان الأعمى حتى لا يأتي يوم نقول فيه - لا قدر الله لا قدر الله - إن المجازر التي تحدث اليوم تفوق بكثير في وحشيتها تلك التي اجتُرحت في الفلوجة والرمادي والبصرة وكابول ومقديشو…… وغيرها من المدن التي توقر أبا بكر وعمر وتجل أم المؤمنين وحبيبة المصطفى صلوات الله عليه وسلامه سيدتنا عائشة.. وبدون أية مبالغة أو تهويل فإن الناس يوم وقعت مجزرة حماة اعتقدوا أنها أفظع ما يمكن أن تتجرأ عليه وحوش الطائفية، وقمة ما يمكن أن تناله خناجر غدرهم.. ولكن أين نحن اليوم من هذا وذاك فهم عندما وجدوا أن جل ما يمكن أن يقوم به المسلمون هو التوجع والاستنكار وبعض المظاهرات، هذا إذا حدثت!! وعدد من الخطب النارية والتبرع ببعض الأموال والبطانيات!! وعقد بعض المؤتمرات في الفنادق المكيفة.. تجرأوا اليوم على ارتكاب أضعاف أضعاف مجزرة حماة، على كل وحشيتها وساديتها وهولها، وها نحن نرى الفضائع ترتكب أمام أعيننا وتتناقلها شاشات الفضائيات فماذا فعلنا حتى الآن؟! ولماذا ننتظر منهم أن يرتدعوا أو أن يقفوا عند هذه الحدود من الوقاحة والوحشية؟! إنهم سوف يتمادون ويتمادون بدون أية حدود أو خطوط حمراء أياً كانت هذه الخطوط؛ فماذا نحن فاعلون حيال هذا التسونامي الطائفي الجارف؟!
الجماهير – كما هو معلوم – منفعلة لا فاعلة وتنتظر (غودو) الذي لن يأتي فلا بد من تحرك (قيادي) شجاع مقدام مؤثر فاعل بروحية أم الولد يحرك هذه الجماهير التي طال رقودها تحرك يفعّل هذه الطاقة الهائلة الكامنة التي إذا انطلقت حققت المعجزات.. ومن يمكن أن يكون مرشح لمثل هذه القيادة سوى الجماعات الإسلامية التي ينبغي أن تخرج من مربع التشكي والتوجع والعقلانية المفرطة!! إلى مربع الفعل والاستعداد التام والكامل بل والتواق إلى دفع الثمن وهو ليس قليلاً بل كبير وفادح ومؤلم يكافئ فترة (العطالة) الطويلة الثقيلة التي تعيشها الجماهير المسلمة..
إنها ليست دعوة إلى التهور..
وليست دعوة إلى رد فعل متحمس انتحاري..
وليست دعوة هوجائية ثأرية انتقامية..
بل هي دعوة إلى الإمساك بزمام الإنسانية بكل الحكمة والعقل والمنطق والإبداع والعدل بالتعاضد مع كل الخيّرين في العالم من شتى المشارب والانتماءات لإعادتها إلى سكة الصواب وعمارة الأرض بدل الدمار الذي تسير فيه اليوم الذي أطلق مختلف الوحوش المفترسة من عقالها: الطائفية، والرأسمالية العمياء، والعولمة، والقوميات الشوفينية المنغلقة التي لا ترى في الآخر سوى العدو الذي يستحق الفناء والاستئصال، والأقليات المرعوبة من كل شيء حولها وتحسب كل صيحة عليها…إلى آخر هذه السلسلة من البراكين الهوجاء المتفجرة بكل سوء ودمار وخراب ووباء.. فالخطر جارف وأكثر من يكتوي بنيرانه هم الذين تربوا في مدرسة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته الهداة المهديين.. وهم المؤهلون اليوم لتعليق الجرس وما لم يفعلوا فسوف تستمر هذه النيران بالتهامهم وسوف تظل البشرية شاردة في شعاب الغواية والوحشية والاقتتال والاستباحة والاستئصال.. فقد آن الأوان لأن تتحول ذكرى مجزرة حماة إلى مبادرة تصنع النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة فهل ثمة من يقول: نحن لها؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























